جيرار جهامي

مقدمة 13

موسوعة مصطلحات ابن سينا ( الشيخ الرئيس )

المشرق الفارسي والمغرب البغدادي ، والذي شاء الشيخ الرئيس بلورته بقوله مقدّما كتاب « منطق المشرقيين » : « وبعد فقد نزعت الهمّة بنا إلى أن نجمع كلاما فيما اختلف أهل البحث فيه . لا نلتفت فيه لفت عصبية أو هوى أو عادة أو إلف ، ولا نبالي من مفارقة تظهر منا للعاميين من المتفلسفة المشغوفين بالمشّائين الظانين أن اللّه لم يهد إلّا إياهم ولم ينل رحمته سواهم » . هذا الانفصال يعود إلى ما ذكرناه في ضوء سيرته وثقافته الخاصة التي عبّت من منهلي المشائية البغدادية والحكمة الفارسية . مما دفعه إلى الانسلاخ ، في الفترة الثانية من حياته الثقافية ، عن المشائين والمضي في شق طريق فكري متحرّر « فإن جاهرنا بمخالفتهم ففي الشيء الذي لم يمكن الصبر عليه ، وأما الكثير فقد غطّيناه بأغطية التغافل » . * المعرفيات والعرفانيات تجلّى هذا التحوّل يوم واجه ابن سينا فلسفته المعرفية بمنهجيتي الفيلسوف والمتصوّف ، دون أن يشعرنا أن في الأمر تناقضا . فحيث يفشل العقل في الإمساك بخيط المعرفة القصوى ، يعمل الحدس على الإدراك المباشر لها . بذا تبدو التجربة الشخصية وحدها هي الموصلة إلى اليقين الحق ، طريق الحق الأول . وقد أظهر تاريخ الفكر الفلسفي كيف توّجت المذاهب عند كبار الفلاسفة برؤى روحانية وصوفية ، كما ورد في مضامين فكرتي الخير والواحد وأبعادهما عند كلّ من أفلاطون وأفلوطين . أما الفصل بين الإشراق العقلاني والعرفاني السينوي ، فهذه مسألة نخالها عويصة ، سيّما إذا تداخلت المسلّمات الدينية بالممارسات الوجدانية لتناقض معطيات العقل والتعقّل الفلسفية . هذه هي فحواء رسالة ابن سينا إلى أهل الشرق اليوم ، وهي تبشّر بتوجيه الفكر التائه في عوالم العقول المفارقة والمعقولات المرتسمة نحو الأصول المعرفية الذاتية . ولن يتمّ هذا التوجّه سوى من خلال العملية الاستبطانية العرفانية بالذات . فالحقيقة يجب أن تنبع من داخل الإنسان ، بعد أن تستلهم من خارجه بشكل تتجاوب معه النفس العارفة بشفافية . وهذا هو مغزى